النويري
23
نهاية الأرب في فنون الأدب
[ اللَّه ] ، ومنها كتّاب العامّة والخاصّة ، ومنها قضاة العدل ، ومنها عمّال الإنصاف والرفق ، ومنها أهل الجزية والخراج من [ أهل ] الذّمّة ومسلمة [ 1 ] الناس ، ومنها التجّار وأهل الصناعات ، ومنها الطبقة السّفلى من ذوى الحاجة والمسكنة ، وكلّ قد سمّى اللَّه سهمه ، ووضع على حدّه فريضته في كتابه وسنّة نبيّه صلى اللَّه عليه وسلم عهدا منه محفوظا . فالجنود بإذن اللَّه حصون الرعيّة وزين [ 2 ] الولاة وعزّ الدّين وسبل الأمن ، وليس تقوم الرعيّة إلا بهم . [ ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج اللَّه لهم من الخراج الذي يقوون به في جهاد عدوّهم ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ويكون من وراء حاجتهم ] . ثم لا قوام لهذين الصّنفين إلا بالصّنف الثالث من القضاة والعمّال والكتّاب لما يحكمون من المعاقد ، ويجمعون من المنافع ، ويؤتمنون عليه من خواصّ الأمور وعوامّها . ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجّار وذوى الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ، ويقومون به في أسواقهم ، ويكفونهم من الرّفق [ 3 ] بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم . ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحقّ رفدهم ومعونتهم ؛ وفى اللَّه لكلّ سعة ؛ ولكلّ على الوالي حقّ بقدر ما يصلحه . [ وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه اللَّه من ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة باللَّه وتوطين نفسه على لزوم الحقّ والصبر عليه فيما خفّ عليه أو ثقل ] . فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك للَّه تعالى ولرسوله ولإمامك ، [ وأنقاهم ] ، جيبا ، وأفضلهم حلما ، ممن يبطئ عن الغضب ويستريح إلى العذر ويرفق بالضعفاء وينبو عن [ 4 ] الأقوياء ، [ و ] ممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف . ثم ألحق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة أهل النّجدة والشجاعة والسخاء والسماحة ، فإنهم جماع الكرم وشعب العرف ؛ ثم تفقّد من أمورهم ما يتفقده الوالدان من ولدهما . ولا يتفاقمنّ في نفسك شئ قوّيتهم به ، ولا تحقرنّ
--> [ 1 ] مسلمة الناس : المسلمون منهم . [ 2 ] كذا في نهج البلاغة وفى الأصل : « زي الولاة . . . » وهو تحريف [ 3 ] الرفق بالفتح : النفع . [ 4 ] يقال نبا عنه وعليه : إذا لم ينقد له .